الأخبار المغربية
المملكة – لم يكن خطاب وزير الأوقاف والشؤون الإسلامية البارح أمام الملك بمناسبة ذكرى المولد النبوي مجرد إشارة عابرة، عندما نطق بـ”سبتة ومليلية المحتلتين” كان يضع الإصبع على الجرح الذي تحاول مدريد إخفاءه منذ عقود، جرح الاستعمار الذي لم ينته، و هنا بالضبط تتضح “عقدة الأوروبيين الجدد” التي فكها الأديب الكتالوني الراحل خوان غويتيسولو في كتابه “غابة الكلمات” دولة بعد فرانكو اختارت أن تنضم لأوروبا بجلد جديد، تنصلت من ثمانية قرون من التاريخ الأندلسي والإسلامي و اليهودي، ودفنتها في الأرشيف، وتبنت نموذجا استهلاكيا غربيا لتمحي ذاكرتها، لكنها في المقابل أبقت على آخر جيوب الاستعمار في إفريقيا، سبتة ومليلية شاهدتان على هذا التناقض الصارخ.
كيف لدولة تدعي أنها “أوروبية خالصة” أن تحتفظ بمدينتين في القارة الإفريقية؟ وكيف لها أن تتحدث عن القانون الدولي وهي تحتل أرضا مغربية منذ 500 سنة؟ الجواب عند غويتيسولو، إسبانيا بترت جزءا من ذاتها لتلائم بروكسيل، وأرادت أن تقنع نفسها والعالم أنها لم تعد “مختلفة” فأصبح المغرب بالنسبة لها مرآة مؤلمة، مرآة تذكرها باللغة التي تتكلمها، حيث 4000 كلمة عربية في قاموسها اليومي، وتذكرها بمكتبة الإسكوريال المليئة بمخطوطات الأندلس التي لا تفتح إلا للباحثين، وتذكرها بماض لا يمكن تزويره، ولذلك انفجرت الحملة المسعورة في الإعلام والنخبة الإسبانية بعد أحداث سبتة، لم تكن دفاعا عن السيادة، كانت رد فعل هستيري لشخص يرى صورته في المرآة ولا تعجبه، خطاب عنصري فوقي يصنع من إسبانيا “أوروبا الغنية” و يقابلها بـ”إفريقيا الجائعة” فقط ليغطي على عجزه عن مواجهة تاريخه.
المعطيات تشير إلى أن مدريد ستسلك المسار الكلاسيكي نفسه، أولا استدعاء السفير المغربي للتعبير عن “الاستغراب الشديد” ثانيا تصريحات نارية من وزارة الخارجية تتحدث عن “سيادة إسبانية لا نقاش فيها” ثالثا إطلاق حملة إعلامية جديدة تعيد إنتاج نفس الصور النمطية عن المغرب لتغطية الإحراج الدبلوماسي، لكن هذه المرة الوضع مختلف. فالمغرب لم يعد يكتفي بالبيانات، المغرب يربط ملف وحدة التراب بكل الملفات الأخرى، الهجرة، التجارة، الأمن، ومن قال “المحتلتين” من على منبر رسمي أمام الملك، فهو يقول أن زمن المجاملات انتهى.
اليوم لم يعد هناك مجال للمناورة إما أن تعترف إسبانيا بأنها دولة استعمارية في القرن 21 وتتحمل تبعات ذلك، أو أن تواجه حقيقة أن مشروع “الأوروبيين الجدد” فاشل لأنه مبني على إنكار التاريخ وسرقة الجغرافيا.
المغرب لم يعد يطلب، المغرب يذكر والمستقبل لن يكتبه من يبني هويته على النسيان.
عاشت المملكة المغربية