الأخبار المغربية
لم تعد قضية النفوذ المغربي في أوروبا مجرد حديث يدور في كواليس الدبلوماسية أو مادة تتبادلها أجهزة الاستخبارات في تقاريرها السرية، فقد بدأت آثارها تظهر علنا في ملفات الشرطة والمحاكم، وفي ملفات موظفين يعملون داخل مؤسسات يفترض أن تكون مغلقة أمام أي تأثير خارجي و بات اسم المغرب يتردد بشكل متكرر في قضايا تتعلق بالتجسس ومراقبة المعارضين ومحاولة الوصول إلى معلومات حساسة داخل دول أوروبية.
في هولندا، تعود إحدى أكثر القضايا دلالة إلى سنة 2008 حين كشفت الاستخبارات الهولندية أن جهاز الاستخبارات المغربي حاول الوصول إلى قواعد بيانات مغلقة تابعة للشرطة الهولندية عبر موظفين هولنديين من أصول مغربية و كان من بين هؤلاء شرطي يعمل في روتردام، فصل من عمله بعد تحقيق أمني خلص إلى أنه نقل معلومات من سجلات الشرطة إلى الجانب المغربي خلال الفترة الممتدة بين 2006 و 2008.
المعلومة لم تأت من خصوم سياسيين للمغرب ولا من ناشطين معارضين، وإنما وردت في وثائق جهاز الاستخبارات والأمن الهولندي AIVD نفسه، الذي أعلن في مايو 2009 أن الشرطي السابق، البالغ من العمر آنذاك 38 سنة، قد فصل من الشرطة بسبب ما وصفه بسوء سلوك مهني جسيم، و أنه يواجه متابعة قضائية للاشتباه في انتهاكه واجب السرية بعدما نقل معلومات من سجلات الشرطة إلى السلطات المغربية، و الأخطر أن التقرير السنوي للاستخبارات الهولندية عن سنة 2008 لم يتحدث عن حالة معزولة، بل قال بوضوح إن الاستخبارات المغربية حاولت في هولندا بناء شبكة مصادر والوصول إلى قواعد بيانات مغلقة، وإنها استخدمت في ذلك موظفين في الشرطة الهولندية من أصول مغربية، وبعد تدخل الاستخبارات الهولندية، تم استدعاء عدد من الدبلوماسيين المغاربة العاملين في هولندا إلى المغرب.
كان الشرطي المفصول، بحسب الصحافة الهولندية، شخصية ناجحة داخل المجتمع الهولندي وشارك في مشاريع موجهة للشباب المحرومين، وكان ينظر إليه باعتباره نموذجا للاندماج، و هو ما جعل القضية أكثر حساسية، لأنها لم تكشف عن شخص يعيش خارج المؤسسات، وإنما عن شخص وصل إلى داخل مؤسسة أمنية حساسة ثم وجد نفسه في قلب ملف استخباراتي أدى إلى انهيار مساره المهني، بعد أكثر من عقد، لم يغلق الملف الهولندي بل عاد بصورة أكبر وأكثر تعقيدا. ففي أكتوبر 2023 أوقفت السلطات الهولندية موظفا سابقا في جهاز التنسيق الوطني لمكافحة الإرهاب و الأمن NCTV بعد الاشتباه في تسريب معلومات سرية إلى جهاز الاستخبارات الخارجية المغربي DGED و كان الرجل في طريقه إلى الدارالبيضاء عندما أوقف في مطار سخيبول، وقالت النيابة العامة الهولندية إن القضية تتعلق بمئات الوثائق السرية، وإن أجهزة الأمن عثرت في منزل المتهم على مئات الوثائق الإضافية، وطلب الادعاء العام في بداية المحاكمة سجنه 12 سنة بتهمة التجسس، لكن النهاية القضائية كانت أكثر تعقيدا من العنوان الذي تصدر الصحافة، فقد رفضت المحكمة في مارس 2026 إدانته بالتجسس لصالح المغرب بسبب عدم كفاية الأدلة على أنه سلم المعلومات فعلا إلى جهاز استخبارات مغربي، في حين بقيت مسؤوليته عن حيازة الوثائق السرية دون ترخيص قائمة، وهذه التفاصيل ليست هامشية، لأنها تكشف المسافة الكبيرة بين الاشتباه الاستخباراتي والحكم القضائي، فمجرد العثور على وثائق سرية لدى شخص من أصول مغربية لا يكفي وحده لإثبات أنه يعمل لحساب الرباط، وهو تمييز يجب ألا يسقط من أي تحقيق صحفي جاد، لكن التطور الأكثر إثارة جاء من ألمانيا، حيث لم تبق الشبهات في مستوى التقارير الأمنية بل وصلت إلى قاعات المحاكم، ففي غشت 2023 أدانت المحكمة العليا في دوسلدورف مواطنا مغربيا بعد ثبوت قيامه بجمع معلومات عن أنصار حراك الريف في ألمانيا لحساب جهاز الاستخبارات الخارجية المغربي DGED وحكمت عليه بالسجن 19 شهر مع وقف التنفيذ، وقالت النيابة والقضاء الألمانيان إن الاتصال بجهاز الاستخبارات المغربي بدأ سنة 2020 وإن الرجل جمع معلومات عن أشخاص ينتمون إلى الحركة الاحتجاجية المغربية في أوروبا، وأن جهاز الاستخبارات المغربي تكفل بمصاريف سفر بلغت نحو 5 ٱلاف يورو.
ولم تنته القضية عند هذا الحد، ففي دجنبر 2024 أوقفت السلطات الإسبانية مغربيا آخر يدعى يوسف.أ بناء على مذكرة أوروبية، ثم نقل إلى ألمانيا في يناير 2025 حيث اتهمه الادعاء العام الألماني بالعمل لصالح جهاز استخبارات مغربي و مراقبة أنصار حراك الريف في ألمانيا، وفي شتنبر 2025 صدر بحقه حكم في دوسلدورف بالسجن 18 شهرا مع وقف التنفيذ بعد إدانته بالتجسس على نشطاء من حراك الريف لصالح جهاز الاستخبارات الخارجية المغربي، وكانت المحكمة قد اعتبرت أن الرجل نقل معلومات عن معارضين مغاربة في ألمانيا إلى وسيط مرتبط بالشبكة التي سبق أن أُدين أحد عناصرها سنة 2023.
هنا يصبح المشهد أكثر وضوحا، فالمسألة لم تعد قضية شخص واحد أو حادثة قديمة داخل شرطة روتردام، بل سلسلة من الملفات ظهرت في أكثر من دولة أوروبية و خلال سنوات مختلفة، و جمعت بينها نقطة واحدة هي اتهام أشخاص من الجنسية المغربية أو من أصول مغربية بالعمل أو التعاون مع أجهزة الاستخبارات المغربية في مراقبة معارضين أو الوصول إلى معلومات حساسة، و اللافت أن ألمانيا نفسها أصبحت تتحدث بشكل رسمي عن نشاط استخباراتي مغربي داخل أراضيها، ففي تقرير مكتب حماية الدستور الألماني عن سنة 2024 وُضع المغرب ضمن الدول التي تمثل نشاطاتها الاستخباراتية إحدى بؤر اهتمام أجهزة مكافحة التجسس الألمانية، و أشار التقرير إلى أن أجهزة دول شمال إفريقيا والشرق الأوسط ومن بينها المغرب تستهدف الجاليات الموجودة في ألمانيا وتعمل على مراقبة المعارضين أو محاولة تشويه صورتهم، ويمكن أن تصل أساليب الضغط في بعض الحالات إلى التهديد الجسدي.
وفي هولندا تبدو الصورة أكثر صراحة، فالاستخبارات الهولندية تقول في تقريرها الأخير إن أجهزة استخبارات دول لديها جاليات كبيرة في هولندا ومن بينها المغرب، تقوم بجمع معلومات عن أفراد من الجالية المنتقدين لأنظمة بلدانهم الأصلية، وإن هذه الأجهزة تستخدم شبكات من المصادر داخل الجالية، كما تقول إن الأشخاص الذين يعملون في مواقع تتيح الوصول إلى معلومات مهمة بالنسبة للمغرب يشكلون موضع اهتمام خاص لدى الأجهزة المغربية، وهذا يعني أن المسألة بالنسبة إلى الأجهزة الأوروبية لم تعد مرتبطة فقط بالسفارات والقنصليات أو بالدبلوماسيين الذين يمكن طردهم بقرار سياسي، وإنما أصبحت مرتبطة أيضا بما تسميه هولندا التدخل الأجنبي داخل مجتمعات الشتات، وهو تدخل يمكن أن يتم عبر أشخاص من داخل الجالية نفسها.
لكن الجانب الآخر من القصة لا يقل خطورة، وهو أن مكافحة التجسس يمكن أن تتحول بسهولة إلى مناخ من الشك يطال أشخاصا لا علاقة لهم بأي نشاط استخباراتي. فالجالية المغربية في هولندا وألمانيا وبلجيكا وإسبانيا تضم ملايين الأشخاص بينهم موظفون في الإدارات و الشرطة والجيش والجامعات والشركات والمؤسسات العمومية، ولا يمكن تحويل الأصل المغربي وحده إلى قرينة على الولاء لدولة أجنبية، ولهذا فإن التمييز بين ثلاثة مستويات يصبح ضروريا، المستوى الأول هو الشخص الذي تثبت بحقه جريمة تجسس أمام القضاء، والمستوى الثاني هو الشخص الذي يخضع لتحقيق أو مراقبة استخباراتية دون أن تثبت إدانته، والمستوى الثالث هو المواطن العادي الذي لا علاقة له بالملف سوى كونه مغربيا أو من عائلة مغربية، الخلط بين هذه المستويات هو الذي يمكن أن يحول معركة أجهزة الاستخبارات إلى مشكلة اجتماعية تطال عائلات كاملة وتضع أبناء الجالية تحت ضغط لا علاقة لهم به. والوثائق الهولندية نفسها تقدم سببا إضافيا للحذر، فقد سبق للاستخبارات الهولندية أن تحدثت عن أسماء لأشخاص داخل الجالية المغربية قيل إن لهم صلات بأجهزة مغربية، لكن الجهاز أوضح أن وجود اسم شخص على مثل هذه القوائم لا يعني بالضرورة أنه جاسوس فعلي، إذ يمكن أن يكون الاتصال قد حصل بعلمه أو من دونه، و هذه النقطة تصبح شديدة الأهمية عندما تنتشر على مواقع التواصل الاجتماعي قوائم تضم مئات أو آلاف الأسماء ويتم تقديمها للجمهور على أنها قوائم جواسيس مكتملة الأوصاف، فالمخابرات لا تعمل بهذه البساطة، والقائمة الأمنية ليست حكما قضائيا، والاسم الموجود في قاعدة بيانات أو وثيقة استخباراتية لا يساوي تلقائيا عميلا استخباراتيا.
أما الحديث عن سحب الجنسية من أشخاص مغاربة في هولندا أو ألمانيا بسبب التجسس فهو ادعاء يحتاج إلى توثيق مستقل لكل حالة، غياب الدليل على سحب الجنسية لا يلغي حقيقة أكثر قسوة، وهي أن الاشتباه في الارتباط بجهاز استخبارات أجنبي يمكن أن ينهي حياة مهنية كاملة في أيام قليلة، و هذا ما تظهره بوضوح قضية الشرطي المغربي في روتردام التي انتهت بفصله من الشرطة بعد تدخل الاستخبارات الهولندية وفتح تحقيق قضائي ضده، وتكشف هذه الملفات عن وجه آخر يعيشه مغاربة أوروبا بصمت، فقد تحول عدد من أبناء الجالية، خاصة في بلجيكا و فرنسا وهولندا، إلى ضحايا مزدوجين لهذا الصراع الخفي فمن جهة، يتعرض بعض النشطاء والمدونين المنحدرين من الريف أو من الحركات الحقوقية الأمازيغية لمضايقات وتهديدات عبر الهاتف وتصوير تحركاتهم خلال الوقفات الاحتجاجية أمام القنصليات، وهو ما وثقته تقارير لمنظمات حقوقية أوروبية في بروكسل وباريس، ومن جهة أخرى، يجد موظفون مغاربة بسطاء يعملون في البلديات أو في قطاعات حساسة أنفسهم تحت مجهر الشك لمجرد أنهم سافروا إلى المغرب لقضاء العطلة أو تواصلوا مع عائلاتهم، حيث يتم استدعاؤهم لجلسات استماع أمنية روتينية قد تعطل ترقيتهم المهنية لسنوات، و هكذا يدفع المواطن العادي ثمن حرب استخباراتية لم يخترها.
المؤكد أن أجهزة الأمن الأوروبية باتت تنظر إلى نشاط الاستخبارات المغربية داخل أراضيها بجدية أكبر مما كان عليه الوضع قبل سنوات، والمؤكد أيضا أن ملفات قضائية في هولندا و ألمانيا أظهرت وجود حالات حقيقية لتسريب معلومات أو مراقبة معارضين لصالح أجهزة مغربية، والمؤكد كذلك أن المغرب ينفي في سياقات مختلفة اتهامات بالتدخل غير المشروع ويؤكد أهمية التعاون الأمني مع أوروبا في مكافحة الإرهاب والجريمة، لكن المؤكد أيضا أن ملايين المغاربة في أوروبا لا علاقة لهم بهذه الحرب السرية، وأن اختزالهم في صورة جواسيس محتملين سيكون ظلما لا يخدم لا الأمن الأوروبي ولا الجالية المغربية.
ما بدأ في روتردام سنة 2008 بشرطي من أصول مغربية يصل إلى قواعد بيانات الشرطة الهولندية، عاد بعد سنوات في صورة أكثر تعقيدا مع موظف في جهاز مكافحة الإرهاب يحمل مئات الوثائق السرية، ثم انتقل إلى المحاكم الألمانية مع رجلين أُدينا بجمع معلومات عن معارضين من حراك الريف، بين هذه الملفات تتغير الوجوه وتتغير السنوات، لكن السؤال الأمني الأوروبي واحد، وهو كيف يمكن مواجهة نشاط استخباراتي أجنبي داخل الجالية من دون أن تتحول الجالية نفسها إلى هدف للشك، هذا هو الخط الفاصل الذي ستتحدد عنده في السنوات المقبلة صورة مئات الآلاف من المغاربة في أوروبا، فالتجسس عندما يثبت هو جريمة فردية تستوجب المحاسبة، أما الأصل المغربي وحده فلا يمكن أن يكون دليلا، ولا يمكن أن يصبح الانتماء إلى جالية بأكملها ملفا أمنيا مفتوحا.
تصبحون على تغيير