الصحراء الشرقية المغربية تعود إلى الواجهة أرشيف الاستعمار يفتح جرح الحدود التي رسمتها فرنسا

الأخبار المغربية

المغرب أولا – لم تكن الصحراء الشرقية المغربية مجرد اسم ظهر فجأة على منصات التواصل الاجتماعي ولم تكن قضية مرتبطة بخلاف عابر بين دولتين بل هي ملف تاريخي ارتبط منذ عقود بإرث استعماري معقد ترك وراءه حدودا ملتبسة و وقائع موثقة وذاكرة سياسية لم يتمكن الزمن من محوها.

وخلال الأيام الأخيرة عاد هذا الملف إلى الواجهة بقوة بعد انتشار مقطع على منصات التواصل الاجتماعي في فرنسا يظهر الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون أمام خريطة للمنطقة مرفوقة برسالة تتحدث عن أرشيف للصحراء الشرقية وعن استعداد المغرب لاسترجاع أراض توجد اليوم داخل التراب الجزائري، غير أن غياب الدليل على صحة التصريح المتداول لا يعني أن القضية التاريخية نفسها مختلقة أو بلا أساس فالعكس تماما تؤكده وثائق ومواد تاريخية تعود إلى مرحلة الاستعمار الفرنسي لشمال إفريقيا.

فمنطقة تندوف وبشار و مناطق أخرى من المجال الصحراوي الشرقي ارتبطت تاريخيا بالنقاش حول طبيعة الحدود التي رسمتها الإدارة الاستعمارية الفرنسية بين المملكة المغربية والجزائر الفرنسية، حيث كشفت وثائق صحافية فرنسية تعود إلى سنة 1956 أن الحدود بين المغرب و الجزائر لم تكن في ذلك الوقت مسألة محسومة بصورة بسيطة وأن مناطق تندوف وبشار كانت في قلب نقاش سياسي وعسكري حاد بعد استقلال المغرب، بل إن صحيفة لوموند الفرنسية نشرت في مارس 1956 نقاشا حول طبيعة الحدود جنوبا ونقلت مواقف فرنسية متباينة بشأن تندوف و المجالات الصحراوية المحاذية للمغرب و هو ما يؤكد أن المنطقة كانت مرتبطة بإشكال حدودي و سياسي حقيقي وليس مجرد رواية ظهرت بعد عقود من الأحداث.

وفي يونيو ويوليوز من السنة نفسها ازدادت حدة التوتر في منطقة تندوف وبشار حيث تحدثت الصحافة الفرنسية عن تحركات للمقاومة المغربية وعن وجود حدود كانت محل نزاع بين الوطنيين المغاربة والإدارة الفرنسية في الجزائر، وكانت تلك المرحلة بالذات لحظة مفصلية لأن المغرب خرج من الحماية الفرنسية سنة 1956 بينما ظلت الجزائر تحت الاستعمار الفرنسي إلى غاية 1962 وهو ما جعل الدولة المغربية الجديدة تواجه واقعا حدوديا لم ترسمه بإرادتها ولم يكن نتاج تفاوض متكافئ بين دولتين مستقلتين، وهنا تكمن إحدى أهم النقاط التي يجب أن يستند إليها النقاش المغربي حول الصحراء الشرقية.

فالحدود الاستعمارية ليست دائما انعكاسا للامتداد التاريخي والاجتماعي للمجتمعات التي قسمت بينها بل كثيرا ما كانت نتيجة ترتيبات إدارية وعسكرية فرضتها القوى الاستعمارية وفق حساباتها الخاصة، و الأرشيف الفرنسي نفسه يكشف أن تندوف كانت منطقة ذات أهمية استراتيجية كبيرة بالنسبة لفرنسا وأن الوجود الفرنسي فيها كان مرتبطا بحسابات عسكرية واقتصادية تتجاوز السكان والامتدادات التاريخية للمنطقة، وفي يونيو 1956 كان مسؤولون فرنسيون يؤكدون استمرار الوجود الفرنسي في تندوف في وقت كانت فيه الحركة الوطنية المغربية تطرح مطالب مرتبطة بهذه المناطق وتعتبرها جزءا من المجال الذي ينبغي أن تتم استعادته بعد الاستقلال.

كما أن وثائق الأمم المتحدة تؤكد أن اتفاقية الحدود المغربية الجزائرية التي رسمت خط الحدود بين البلدين جاءت في سياق لاحق واستندت إلى خرائط تعود إلى فترات مختلفة من الحقبة الاستعمارية وقد دخلت الاتفاقية حيز التنفيذ سنة 1989 بعد أن كانت قد وقعت سنة 1966 وهذا المعطى مهم للغاية لأنه يوضح أن الحدود الحالية بين المغرب والجزائر ليست حقيقة أزلية ولا خطا جغرافيا نزل من السماء وإنما هي نتيجة مسار تاريخي طويل مر عبر الاحتلال الفرنسي ثم الاستقلال ثم التفاوض بين دولتين مستقلتين.

فالحديث المغربي عن الصحراء الشرقية ينبغي ألا يتحول إلى شعار انفعالي أو إلى مادة للمزايدات على مواقع التواصل الاجتماعي بل ينبغي أن يتحول إلى مشروع بحث تاريخي و قانوني وأرشيفي طويل النفس، المغرب يملك في هذا المجال رصيدا تاريخيا مهما يتمثل في وثائق الحركة الوطنية وفي المراسلات السياسية وفي شهادات شخصيات ومسؤولين فرنسيين وفي وقائع ميدانية تعود إلى السنوات الأولى للاستقلال.

كما أن المطالب المرتبطة بتندوف وبشار لم تكن مجهولة في ستينيات القرن الماضي فقد نقلت الصحافة الفرنسية في يوليوز 1956 مطالب مغربية صريحة بشأن كولومب بشار وتندوف وهو ما يثبت أن القضية كانت جزءا من النقاش السياسي في زمنها وليس اختراعا إعلاميا حديثا، والأهم من ذلك أن المغرب لا يحتاج إلى اختلاق تصريح منسوب إلى رئيس فرنسي أو نشر خريطة مثيرة للجدل حتى يثبت وجود هذا الملف في التاريخ، القوة الحقيقية للطرح المغربي توجد في الوثيقة و في الأرشيف وفي قراءة التاريخ بعيدا عن الضجيج.

عاشت المملكة المغربية

قد يعجبك ايضا
Loading...