من الصويرة إلى أناسي لماذا يغيب الاحتفاء بأطفال القرآن؟

الأخبار المغربية

المملكة – في الوقت الذي تتسع فيه دائرة القلق لدى الأسر المغربية بشأن مستقبل الناشئة وما يحيط بهم من مظاهر العنف والمخدرات و الانحراف والسلوكيات غير المنضبطة تظل المبادرات التي تربط الأطفال بالقرآن الكريم و تحفزهم على حفظه وتكريمهم أمام أسرهم و مجتمعهم من أكثر المبادرات التي تستحق التشجيع و الدعم لأنها تقدم للأطفال نموذجا آخر للفرح والاعتزاز والنجاح، غير أن ما وقع في الصويرة يفتح نقاشا واسعا حول طريقة التعامل مع المبادرات المرتبطة بالقرآن الكريم فقد كان من المرتقب أن ينظم كتاب مسجد عثمان بن عفان مسيرة احتفالية لفائدة عشرات الأطفال الذين أتموا حفظ كتاب الله بمناسبة عيد الشباب المجيد قبل أن تواجه المبادرة بالمنع بعد أخذ ورد بشأن الترخيص لها واضطر المنظمون في النهاية إلى الاكتفاء بنقل الأطفال بالحافلات بدل أن تتحول شوارع المدينة إلى فضاء للاحتفاء بأطفال اختاروا القرآن وحفظه، المفارقة التي أثارت غضب المتابعين أن مدنا ومناطق مغربية تعرف تنظيم مهرجانات وتظاهرات جماهيرية ضخمة تستقطب الآلاف ويتم توفير الترتيبات الأمنية والتنظيمية اللازمة لها رغم ما قد يصاحب بعضها من مظاهر فوضى أو سلوكيات غير منضبطة.

فمدينة الصويرة نفسها تؤمن سنويا مهرجان كناوة العالمي الذي تشد له الرحال الملايين وتعرف أجواءه اختلاطا و فوضى ومظاهر لا تليق، وفي أكادير و إنزكان يؤمن مهرجان بوجلود لأيام رغم ما يرافقه من فساد ومخدرات بينما يتم إيقاف مسيرة لبراعم صغار في لباس أبيض و طربوش أحمر لا لشيء إلا لأن الموضوع هو كتاب الله الذي يغيضهم حفظه، لكن الأمر لا يتوقف عند مدينة الصويرة، ففي منطقة أناسي بتراب عمالة مقاطعات البرنوصي، تبدو الصورة أكثر إيلاما بالنسبة إلى عدد من الأسر التي تتطلع إلى أن تتحول المساجد إلى فضاءات حقيقية لتربية الناشئة و تحفيظهم القرآن وتكريمهم، و مسجد “الأندلس” تحديدا يكتسب رمزية خاصة باعتبار أن المقرئ العيون الكوشي هو الإمام الراتب وخطيب الجمعة به والمعروف وطنيا بصوته وقراءته للقرآن ولذلك فإن الحديث عن غياب مبادرات نوعية لتحفيظ الناشئة و تكريم حفظة كتاب الله داخل محيط المسجد لا يمكن فصله عن هذه الرمزية ولا عن انتظارات سكان المنطقة، فالساكنة لا تطالب بمعجزة ولا بمشروع مستحيل هي تريد أن ترى الأطفال الذين يحفظون القرآن يحتفى بهم و أن تكون للمسجد مبادرات منتظمة تستقطب الناشئة و تشجع الأسر على إدخال أبنائها إلى كتاتيب التحفيظ و تكافئ من أتموا حفظ كتاب الله، ومنذ تولي المقرئ العيون الكوشي مهمة الإمامة والخطابة بمسجد “الأندلس” لم يتم إطلاق أي مبادرة لفائدة الأطفال في مجال التحفيظ والتكريم والاحتفاء بحفظة القرآن فالمقام هنا ليس مقام التشكيك في النوايا ولا إصدار أحكام مسبقة و إنما مساءلة علنية عن حصيلة يفترض أن تكون واضحة للساكنة، لماذا لا نرى مسيرة قرآنية لأطفال أناسي ولماذا لا يتم تنظيم حفل سنوي كبير لتكريم حفظة كتاب الله و لماذا لا يتحول مسجد “الأندلس” إلى مركز إشعاع قرآني يستقطب الناشئة و يمنحهم بديلا تربويا حقيقيا ولماذا لا تستثمر شهرة المقرئ العيون الكوشي وحضوره وتأثيره في إطلاق مبادرة واسعة لتحفيظ الأطفال وتكريمهم و جعل القرآن جزءا من الحياة اليومية للمنطقة؟ هذه الأسئلة لا تستهدف شخصا بعينه بقدر ما تعبر عن مطلب مجتمعي مشروع فإذا كان المسجد يقع في قلب منطقة سكنية واسعة وتوجد حوله أجيال من الأطفال والشباب فإن دوره لا ينبغي أن يقتصر على إقامة الصلوات وخطبة الجمعة بل يمكن أن يكون فضاء للتربية والتعليم و التحفيظ والتوجيه وصناعة القدوة، والأكثر إيلاما أن سكان أناسي يشاهدون على بعد أمتار من المسجد تنظيم مهرجان غنائي جماهيري كل سنة يستقطب أعدادا كبيرة من ساكنة البرنوصي و الدارالبيضاء والنواحي و يعرف مظاهر الانحراف و التحرش الجنسي والضرب و الجرح و كل ما يؤذي حرمة المكان وقدسية المسجد ومع ذلك يتم تأمينه وتنظيمه بينما لا يجدون بالقدر نفسه مبادرات قرآنية جماهيرية تجعل أطفالهم أبطالا للمشهد العام، وهنا لا بد من التمييز بين انتقاد تنظيم المهرجانات وبين المطالبة بتوازن في الأولويات فليس المطلوب إلغاء الفنون أو منع التظاهرات وإنما السؤال عن موقع الأنشطة التربوية و الدينية الموجهة للأطفال في المشهد المحلي.

تصبحون على تغيير

قد يعجبك ايضا
Loading...