الأخبار المغربية
الدارالبيضاء – قال رسول الله صلى الله عليه وسلم إن الله يبعث لهذه الأمة على رأس كل مائة سنة من يجدد لها دينها و التجديد عند أهل السنة هو إحياء ما ضاع من السنة ونفي الغلو والبدع ورد الناس للكتاب والسنة بفهم الصحابة رضوان الله عليهم وليس إحداث دين جديد ولا إلغاء اجتهادات الأئمة بل هو كما قال الإمام الشافعي رحمه الله كل ما وافق الكتاب والسنة فهو مذهبي، وقد أكرم الله هذه الأمة في القرن الماضي والحالي بعلماء ربانيين بذلوا أعمارهم في التعليم و التصنيف والفتوى فكان منهم الشيخ العلامة المحدث ناصر الدين الألباني رحمه الله محدث العصر الذي بذل عمره في خدمة السنة تحقيقا وتخريجا حتى صار مرجعا للعالم في علم الحديث وكان يزور المغرب بحثا عن المخطوطات وكتب الحديث في خزائن الرباط وفاس ومكناس ومن شدة تقدير الدولة له وجه الملك الحسن الثاني رحمه الله له الدعوة لزيارته وتكريمه، ومنهم الشيخ العلامة عبد العزيز بن باز رحمه الله مفتي عام المملكة وصاحب مجموع الفتاوى الذي كان مرجعا للمسلمين في النوازل عرف بالزهد والورع وبذل العلم حتى سمي بحبر الأمة في زمانه وكان بيته مفتوحا للسائلين لا يمل من تعليمهم، ومنهم الشيخ العلامة محمد بن صالح العثيمين رحمه الله فقيه الأمة وصاحب الشرح الممتع الذي تميز ببيان الدليل وتعليم العوام بأسلوب سهل قريب حتى قال عنه طلابه ما رأينا أحرص على تعليم الناس منه، ومنهم الشيخ العلامة صالح الفوزان حفظه الله عضو هيئة كبار العلماء و من أبرز من شرح كتب التوحيد الثلاثة الأصول وكشف الشبهات والقواعد الأربع ودافع عن العقيدة ببيان هادئ رصين، ومنهم الشيخ العلامة ربيع بن هادي المدخلي رحمه الله الذي عرف بجهوده في الذب عن السنة والرد على الشبهات وله كتب منها كتاب المفسرون الذي ناقش فيه بعض العبارات المنقولة عن (سيد قطب) حول الصحابيين معاوية و عمرو بن العاص رضي الله عنهما، وكان منهجه قائما على التفريق بين الرد على القول الباطل وبين حفظ حق العالم ومكانته، و منهم الشيخ المحدث محمد تقي الدين الهلالي رحمه الله العالم المغربي المجدد الذي كان له دور كبير في نشر السنة و الدعوة للتوحيد في المغرب و الهند والعراق وترك كتبا نافعة مثل الحسام المسلول، ومنهم الشيخ عبد الله بوخبزة رحمه الله من علماء المغرب المعروفين بالزهد والعناية بالحديث والفقه المالكي وله جهود في تحقيق كتب السنة وكان الشيخ المحدث أبو إسحاق الحويني رحمه الله يزور المغرب ويسأل الشيخ بوخبزة عن الأحاديث وأمور تهم المسلمين لما عرف عنه من ضبط ورواية هؤلاء وغيرهم كثير جمعهم وصف الربانيين الذين يربون الناس على العلم والعمل ويجمعون ولا يفرقون ومنهجهم في الرد إذا ردوا على خطأ ردوا بالدليل من الكتاب و السنة مع حفظ مكانة العالم.
فالشيخ ابن عثيمين رحمه الله قال عن (سيد قطب) له جهود في الدعوة وكتابات نافعة و لكن عنده أخطاء في العقيدة و في الصحابة، يجب بيانها وهذا هو ميزان العدل عند أهل السنة أننا لا نغلو في عالم فنرفعه فوق منزلته و لا نجفوا فنضيع جهوده.

وفي هذا السياق تبرز أهمية دروس ما بين المغرب و العشاء في مساجد تراب عمالة مقاطعة عين الشق، فهي أمانة عظيمة ورسالتها الأصلية أن تأخذ بيد العوام الذين ليسوا طلبة علم ولا يريدون البحث هل هذا صحيح أو ضعيف أو منكر بل يريدون من يذكرهم بالصلاة في وقتها وبالصدقة على الفقير وبحسن الجوار و إكرام الضيف و صلة الرحم وبر الوالدين وصدق المعاملة فإذا التزم الواعظ بهذا الأصل نفع الناس واطمأنت قلوبهم وإذا انحرف الدرس إلى السخرية من عالم أو تصنيف الناس بألقاب مذهبية ثقيلة أمام العامة خسرنا الهدف وتحول المنبر من مكان للجمع إلى مكان للفرقة، وقد بلغ إلى علمنا أن أحد المؤطرين توصل بإنذار من الجهات الوصية، مندوبية الأوقاف والمجلس العلمي بعد ملاحظات على مضمون درس وهذا يدل على أن المسؤولين منتبهون وأن المنبر مسؤولية شرعية قبل أن تكون إدارية و أن تكرار مثل هذه الممارسات في مساجد الدارالبيضاء الكبرى، أمر لا يخدم وحدة الصف ولا مقاصد الشريعة وفي هذا المقام لا بد من تسجيل الثناء والتقدير للقائمين على الشأن الديني والعلم وحفظ القرآن الكريم بتراب عمالة مقاطعة عين الشق على تفاعلهم السريع والمسؤول مع الخبر الذي نشرناه عن درس بين المغرب والعشاء في مسجد فاطمة الزهراء رضي الله عنها، فقد أثبتوا أنهم رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه يغارون على بيوت الله ويحرصون على أن تبقى منابر هداية تجمع ولا تفرق وتذكر ولا تشق، وإن مساجد تراب عمالة مقاطعة عين الشق في ظل وجود مسؤولين بهذا العلم والحرص والخير تستحق كل الثناء و التقدير والدعاء بالتوفيق و السداد فهم نموذج يحتذى في العناية بكلام الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم و في ضبط منابر المساجد لتقوم بوظيفتها الأصلية، ووجود أتباع لأي فكر متطرف خطر على المجتمع والحل هو المواجهة بالعلم والحجة وبيان الحق بالرفق لا بالسب و الشتم.
والشيخ أبو عبد الله المغراوي حفظه الله من علماء المغرب المعروفين بالعناية بالعقيدة و الحديث وله كلام منشور يحذر فيه من الغلو والتطرف ويدعو للزوم جماعة المسلمين وإمامهم ومنهجه قائم على لا إفراط ولا تفريط وكلامه عن النصوص التي فيها طعن في الصحابة يصب في أصل أهل السنة، و أننا نحب الصحابة كلهم و نترضى عنهم ولا نذكرهم إلا بخير ونمسك عما شجر بينهم لأنهم اجتهدوا فمن أصاب فله أجران ومن أخطأ فله أجر واحد.
فالأمة اليوم لا تحتاج لمن يزيد الفرقة ويوقظ الفتن النائمة بل تحتاج لمن يجمع على الأصول العظيمة توحيد الله واتباع السنة واحترام العلماء ولزوم الجماعة وطاعة ولي الأمر في المعروف والصبر على جوره كما أوصى النبي صلى الله عليه وسلم، والعلماء الربانيون هم سفن النجاة في زمن كثرت فيه السبل و الشبهات، مهمتهم إنقاذ الغارق لا تكسير الآخر، كما قال الحسن البصري رحمه الله “إن هذا العلم دين فانظروا عمن تأخذون دينكم” وقال ابن سيرين رحمه الله “لم يكونوا يسألون عن الإسناد فلما وقعت الفتنة قالوا سموا لنا رجالكم” فنسأل عن أهل السنة فنأخذ حديثهم ونسأل عن أهل البدع فلا نأخذ حديثهم، نسأل الله أن يحفظ علماءنا وأن يبارك في أعمارهم وأن يجعلنا ممن يستمع القول فيتبع أحسنه وأن يؤلف بين قلوب المسلمين و يجمع كلمتهم على الحق وأن يوفق القائمين على مساجدنا ليجعلوا دروس ما بين المغرب و العشاء منابر هداية تذكر بالصلاة والصدقة وحسن الجوار و المعاملة الطيبة.