الأخبار المغربية
المملكة – البلاغ الأخير للمديرية العامة للأمن الوطني بشأن التغييرات التي همت عددا من مصالح الشرطة بمدن الدارالبيضاء و سطات والعيون والحسيمة و سيدي قاسم والمحمدية مر في عدد من المواقع الإلكترونية باعتباره مجرد خبر عن تعيينات جديدة في مناصب المسؤولية، والحال أن قراءة البلاغ بشكل دقيق تكشف أن المسألة أعمق من مجرد تغيير أسماء المسؤولين أو نقل رؤساء الشرطة القضائية من مدينة إلى أخرى، المعطى الأهم الذي يستحق أن يصل إلى الرأي العام هو أن عددا من البنيات التي كانت تشتغل في السابق تحت تسمية “فرقة الشرطة القضائية” تم الارتقاء بها تنظيميا إلى “مصالح للشرطة القضائية” و هو تغيير له دلالته داخل البنية التنظيمية للأمن الوطني، لأنه لا يتعلق بمجرد تغيير في التسمية، وإنما بإعادة ترتيب وتقوية هذه البنيات الأمنية ومنحها إطارا تنظيميا أكثر اتساعا يتلاءم مع حجم المهام التي أصبحت تضطلع بها.
ولهذا السبب بالذات قد يكون من غير الدقيق التعامل مع البلاغ باعتباره إعلانا عن رحيل رؤساء الشرطة القضائية السابقين و تعويضهم جميعا بأطر جديدة. فالمسألة في جانب مهم منها تتعلق بتثبيت المسؤوليات داخل البنيات الجديدة التي تمت ترقيتها من مستوى “فرقة” إلى مستوى “مصلحة” مع تدعيم هذه المصالح بالموارد البشرية و الوسائل والإمكانات التي يفترض أن تتناسب مع طبيعة المهام الموكولة إليها، بمعنى آخر، الشرطي أو المسؤول الذي كان يشتغل داخل فرقة للشرطة القضائية لن يكون بالضرورة قد غادر منصبه أو تم استبداله لمجرد أن البلاغ تحدث عن تعيين رئيس لمصلحة جديدة، ما تغير في عدد من الحالات هو الإطار التنظيمي للبنية نفسها، وما يترتب عن ذلك من توسيع للهيكلة وتقوية للمصلحة وإعادة ترتيب للمسؤوليات.
وهذه نقطة مهمة لأن الرأي العام عندما يقرأ عبارة “تعيينات جديدة” قد يفهم مباشرة أن هناك رؤساء جدد حلوا محل مسؤولين سابقين، بينما حقيقة الأمر، بحسب المعطيات الواردة في البلاغ نفسه، أن عددا من فرق الشرطة القضائية تمت ترقيتها إلى مصالح، وهو ما يستوجب بطبيعة الحال وضع أطر على رأسها وتوفير بنية تنظيمية ولوجيستيكية أكثر قوة.
والأهم من تغيير الاسم هو ما سيترتب عنه على أرض الواقع، فالارتقاء من فرقة إلى مصلحة لا ينبغي أن يكون مجرد انتقال إداري من تسمية إلى تسمية أخرى، وإنما يفترض أن يكون انتقالا في القدرة على العمل وفي الإمكانات وفي الموارد البشرية وفي الوسائل التقنية واللوجيستيكية وفي سرعة معالجة الملفات وفي الحضور الميداني وفي القدرة على مواجهة الجرائم التي أصبحت أكثر تعقيدا وتشعبا.
الرأي العام لا ينتظر من الشرطة القضائية أسماء جديدة ولا تسميات جديدة فقط، وإنما ينتظر شرطة قضائية أكثر فعالية وأكثر سرعة وأكثر حضورا وأكثر قدرة على التعامل مع الملفات التي تمس أمن المواطنين و ممتلكاتهم، ومن هنا يمكن فهم أهمية الخطوة التي أعلنت عنها المديرية العامة للأمن الوطني، خصوصا أن تحويل عدد من فرق الشرطة القضائية إلى مصالح يعني عمليا أن هذه البنيات أصبحت مطالبة بالاشتغال وفق تصور أكثر قوة واتساعا، وأنها تحتاج إلى موارد بشرية مؤهلة وإلى وسائل تقنية و لوجيستيكية تمكنها من القيام بالمهام المنوطة بها بالشكل المطلوب.
والأهم أن المسؤول عن هذه المصلحة يجب أن يكون مسؤولا فعليا عن التدبير اليومي للعمل القضائي و الميداني، لا مجرد اسم يوضع على رأس هيكل إداري جديد.
وهنا نصل إلى النقطة الأكثر حساسية في هذا الملف، وهي العلاقة بين الشرطة القضائية والنيابة العامة هذه العلاقة ينظمها القانون ولا يمكن اختزالها في موقف سياسي أو مهني أو انطباع شخصي، لكن النقاش حولها أصبح ضروريا كلما تحدثنا عن تقوية مصالح الشرطة القضائية ورفع مردوديتها.
الشرطة القضائية تعمل في إطار قانوني واضح وتحت إشراف السلطات القضائية المختصة، وهذه مسألة لا خلاف عليها، لكن الإشراف القضائي شيء، وتحويل العمل الميداني إلى سلسلة طويلة من التعليمات و التدخلات في التفاصيل اليومية شيء آخر والمطلوب ليس إلغاء دور النيابة العامة، ولا المساس باختصاصاتها، و إنما فتح نقاش جدي حول الطريقة المثلى التي تجعل كل مؤسسة تقوم بالدور الذي خوله لها القانون، حتى لا تتحول كثرة المتدخلين في القرار الميداني إلى عنصر يبطئ عمل الشرطة القضائية بدل أن يساعدها على أداء مهمتها.
فالشرطي الموجود في الميدان يرى ويسمع ويعاين ويجمع المعطيات ويواجه الوقائع في لحظتها، بينما يصل جزء من هذه الوقائع إلى الجهات الأخرى بعد أن تكون قد مرت عبر تقارير و محاضر ومعطيات منقولة و القاعدة المهنية البسيطة تقول إن الذي رأى ليس كالذي سمع، وإن المعاينة المباشرة للوقائع ليست كالاعتماد على رواية منقولة عنها ومن هنا فإن أي نقاش مستقبلي حول الشرطة القضائية يجب أن ينطلق من منح مصالح الشرطة القضائية هامشا أكبر من المسؤولية والسرعة في اتخاذ القرارات الميدانية التي تدخل في صميم اختصاصها، مع احترام كامل للقانون و لإشراف السلطة القضائية، المطلوب هو وضوح أكبر في الاختصاصات، وليس صراعا بين المؤسسات، وإذا كانت هناك ملفات تستدعي حضور النيابة العامة ومعاينتها المباشرة، فلا شيء يمنع من أن يتم ذلك وفق الآليات القانونية المعمول بها، لأن النزول إلى الميدان قد يكون في بعض الحالات أكثر فائدة من إدارة الملف عن بعد، خصوصا عندما يتعلق الأمر بوقائع معقدة أو بملفات تتطلب الوقوف المباشر على المعطيات.
لكن في المقابل، لا يمكن أن يتحول هذا النقاش إلى دعوة لإبعاد النيابة العامة عن مهامها القانونية، لأن الشرطة القضائية والنيابة العامة مؤسستان تتكاملان داخل منظومة العدالة الجنائية، و لكل واحدة منهما اختصاصاتها وأدوارها، و المطلوب إذن ليس أن تصبح الشرطة القضائية مؤسسة فوق القانون أو خارج الرقابة القضائية، وإنما أن تصبح مصلحة حقيقية قادرة على تحمل مسؤوليتها المهنية، و أن تكون قراراتها الميدانية واضحة ومبنية على المعطيات التي تجمعها وعلى خبرة موظفيها، وأن يتم إخبار الجهات القضائية المختصة بما يتعين إخبارها به وفق القانون، مع احترام الاختصاصات القانونية لكل طرف.
وهذا النقاش لا ينبغي أن يفهم باعتباره انتقادا لمؤسسة بعينها، وإنما باعتباره سؤالا مشروعا حول كيفية تطوير منظومة العمل الجنائي بالمغرب، خصوصا في مرحلة أصبحت فيها الجريمة أكثر تعقيدا، وأصبح فيها العمل التقليدي للشرطة القضائية غير كاف لمواجهة جميع التحديات.
لقد أصبح من الضروري أن تكون مصلحة الشرطة القضائية أكثر استقلالية في تدبيرها اليومي، وأكثر سرعة في اتخاذ المبادرات التي يسمح بها القانون، وأكثر قدرة على تحمل المسؤولية عن نتائج عملها، وفي المقابل أكثر خضوعا للمحاسبة المهنية والقانونية عندما يثبت وجود تقصير أو تجاوز فلا يمكن أن نطالب المسؤول الميداني بالنتائج ثم نحاصره في كل خطوة بإجراءات تجعل المبادرة شبه مستحيلة، كما لا يمكن أن نمنحه صلاحيات واسعة من دون أن نطالبه في الوقت نفسه بتحمل المسؤولية الكاملة عن قراراته، وهنا بالضبط تظهر قيمة القرار الذي اتخذته المديرية العامة للأمن الوطني في الارتقاء بعدد من فرق الشرطة القضائية إلى مصالح، لأن تقوية البنية التنظيمية يجب أن تكون مقدمة لتقوية العمل نفسه، وليس مجرد تغيير في الأوراق والمسميات.
ومن حق المواطن أن يرتاح لأي خطوة من شأنها تقوية الشرطة القضائية وتدعيمها بالكفاءات والوسائل، لكن من حقه أيضا أن ينتظر المرحلة الثانية من هذا الإصلاح، وهي أن تتحول هذه المصالح إلى بنيات أمنية قوية فعلا، تمتلك الموارد البشرية و اللوجيستيكية والوسائل التقنية، وتتوفر لمسؤوليها الصلاحيات الواضحة التي تمكنهم من تحمل المسؤولية.
فالرهان الحقيقي يا مسؤولين، ليس في أن نقول إن “الفرقة” أصبحت “مصلحة” وإنما في أن يشعر المواطن بأن المصلحة الجديدة أصبحت أقوى و أسرع وأكثر فعالية، وإذا كان البلاغ الأخير يحمل في ظاهره أخبارا عن تعيينات، فإن القراءة الأعمق له تقود إلى نتيجة مختلفة، هناك توجه نحو إعادة ترتيب و تقوية عدد من بنيات الشرطة القضائية، والارتقاء بها من مستوى الفرق إلى مستوى المصالح، بما يسمح بتوسيع هيكلتها وتدعيمها، أما المرحلة المقبلة، فينبغي أن تكون مرحلة تقييم حقيقي لما إذا كان هذا التغيير التنظيمي سيترجم إلى تغيير فعلي في طريقة العمل وفي سرعة معالجة الملفات وفي الحضور الميداني وفي القدرة على حماية المواطن.
المواطن المتضرر من فرقة الشرطة القضائية و النيابة العامة لا تهمه كثيرا التسمية الإدارية بقدر ما يهمه أن يجد شرطة قضائية حاضرة عندما يحتاج إليها، قادرة على التحرك بسرعة، قادرة على جمع المعطيات، وقادرة على تحمل مسؤولية قراراتها في إطار القانون وربما يكون هذا هو المعنى الحقيقي للانتقال من “فرقة الشرطة القضائية” إلى “مصلحة الشرطة القضائية” ليس تغيير الاسم، وإنما تغيير مستوى المسؤولية والإمكانات و الفعالية.
عاش الملك عاش عاش عاش
عبدالمجيد مصلح مدير النشر “الأخبار المغربية”