من المحامي الهيني إلى النقيب زيان ومن النقيب زيان إلى المحامي الهيني

وهيبة خرشش.. من فضيحة الزيان الى فضائح القانون

محمد الهيني
لا يحتاج القارئ لكثير من النباهة والتمييز ليدرك بأن الشرطية المعزولة وهيبة خرشش تم تسخيرها في الولايات المتحدة الأمريكية لتلاوة ما دوّن لها في الرباط، وتحديدا في مكتب المحامي الموقوف عن ممارسة المهنة السيد محمد زيان. إذ من غير المستساغ لا عقلا ولا منطقا أن تحصل سيدة مقيمة في سان فرانسيكوا بولاية كاليفورنيا الأمريكية على محاضر زجرية تتعلق بملف سليمان الريسوني، مشفوعة بمحاضر الاستنطاق وملف الإحالة الصادر عن قاضي التحقيق، في الوقت الذي لا يتوفر فيه بعض المنتسبين إلى أسرة الدفاع ووسائل الإعلام الوطنية على هذه الوثائق المقيدة التداول.
ولا يعدم القارئ الفراسة والإدراك ليهتدي إلى كيف وصلت هذه الوثائق والمستندات للشرطية المعزولة وهيبة خرشش. إذ يكفي أن ينقر نقرة بسيطة في محرك البحث في غوغل لتتضح العلاقة القائمة بين الشرطية المعزولة والمحامي محمد زيان الموقوف عن العمل. لكن السؤال الذي يبقى معلقا إلى حين هو من يكتب لوهيبة خرشش تلك الدفوعات الشكلية المعيبة في الجوهر، ومن يفتي عليها الأحاديث النبوية والآيات القرآنية في سياق لا يعتمل الدين وإنما يحتمل القانون؟ ومن يتعامل معها كفاعل معنوي يجند سيدة فاقدة “للأهلية وللمسؤولية” لاقتراف جرائم القذف والتشهير والافتراء نيابة عنه؟
وهنا لا تخطئ نباهة القارئ إذا تلمّس طيف “مناضل الظل” وعضو حزب العدالة والتنمية محمد رضا في حمى تلك الوثائق التي كانت تتلوها الشرطية المعزولة، وهي منتشية بفتوحاتها القانونية المزعومة، بيد أنها كانت من حيت لا تحتسب ترتكب مجزرة قانونية في الشقين الإجرائي والموضوعي للمنظومة الجنائية الوطنية. فمحمد رضا معروف بسوابقه القضائية العديدة في تأجير “الأفواه” ليلوك بها شوك الطلح، ومعروف أيضا بتجنيده “للدوبلور أو الكومبارس” للتضحية بهم على مذبح النضال ضد الدولة. ألم يستأجر محمد رضا عبد اللطيف حماموشي لنعي اعتقال المعطي منجب مع أن الناعي لم يكن حاضرا بسناك بيع المأكولات الخفيفة الذي شهد واقعة الاعتقال؟ ألم يكن محمد رضا هو كاتب عرائض الدفوعات الشكلية والملتمسات الكتابية في قضية توفيق بوعشرين والتي قادته للسجن بسبب مجانبتها للقانون ومراهنتها على السياسة والإعلام؟
لكن المؤسف هو أن هناك من يتماهى مع أخطاء وهيبة خرشش، ومن خلفها مع نزوعات محمد رضا ومحمد زيان، ويصدق كل ما تتلفظ به بالوكالة رغم أنها لم تكن تنطق إلا بالغي والغوى. فهل يصدق إنسان عاقل أو مناضل حقوقي إمكانية إثبات الاختيارات المثلية لإنسان ما بمعاينة أو مشاهدات يجريها ضابط الشرطة القضائية؟ لقد تجاسرت وهيبة خرشش ومعها مناضل الظل محمد رضا على التشكيك في إجراءات ضابط الشرطة القضائية بدعوى أنه لم يخضع الضحية عادل (أ) لخبرة أو معاينة قمينة بالكشف عن هويته المثلية! فهل كانت تعتقد الشرطية المعزولة أن الاختيارات المثلية لها علامات بارزة يتم كشفها بالمعاينة أو الخبرة؟ إنه العبث عندما يتجسّم تحليلا قانونيا.
مرافعة.. في الأخطاء
كل من استمع أو شاهد تسجيل الشرطية المعزولة وهيبة خرشش في قضية سليمان الريسوني إلا ويخرج بقناعة راسخة مؤداها أن السيدة مثلها مثل “فيل” ولج محلا صينيا لبيع الأواني الخزفية. فالسيدة كسرت وأتلفت أحكام القانون بشقيها الموضوعي والمسطري دون أن تعي حجم الأضرار التي خلفتها سواء على صورتها الشخصية أو على صورة كل من اجتهد في تدوين تلك الأخطاء والزلات لها. فالشرطية المعزولة لا تعترف ب”تقارير” ضباط الشرطة القضائية، ولا تعترف لها بالحجية القانونية، مستندة في كلامها السطحي على مقتضيات المادة 23 من قانون المسطرة الجنائية التي تنص على ما يلي ” يجب على ضباط الشرطة القضائية أن يحرروا محاضر بما أنجزوه من عمليات وأن يخبروا وكيل الملك أو الوكيل العام للملك المختص بما يصل إلى علمهم من جنايات وجنح”.
لكن ما يخفى على وهيبة خرشش، ومحمد رضا ومحمد زيان، أن المادة 290 من نفس القانون أعلاه تعترف بالمحاضر والتقارير التي ينجزها ضباط الشرطة القضائية، إذ نصت على ما يلي ” المحاضر والتقارير التي يحررها ضباط الشرطة القضائية في شأن التثبت من الجنح والمخالفات يوثق بمضمنها إلى أن يثبت العكس بأي وسيلة من الوسائل”. كما أقرت المادة 291 التي تليها بالطابع القضائي للتقارير التي ينجزها ضباط الشرطة القضائية مثلها مثل المحاضر في مفهوم المادة 24 من قانون المسطرة الجنائية. فهل غابت هذه المقتضيات القانونية على وهيبة خرشش ومحمد رضا ومحمد زيان؟ أم أنهم لا يعلمون من قانون المسطرة الجنائية إلا الباب المتعلق بالبحث التمهيدي ولا يدركون أن للمشرع الجنائي إحالات صريحة وضمنية في القانون؟
أكثر من ذلك، زعمت وهيبة خرشش، ومعها الفاعل المعنوي الذي يوجهها بالخطأ، أن عميد الشرطة الممتاز الذي أنجز محاضر الاستماع وقعها بدون تذييلها بتوقيعات مرافقيه. وخلصت إلى أن هذا الاحجام عن التوقيع يستشف منه رفضهما المشاركة في التزوير! ألم تعلم الشرطية المعزولة أن المحضر يوقعه من أنجزه بصريح المادة 24 من قانون المسطرة الجنائية؟ ولا يترتب البطلان عن عدم توقيع المشاركين في التوقيف لأنهم يعملون تحت إمرة ضابط الشرطة القضائية المكلف بالبحث.
ومن قفشات وهيبة خرشش هي عندما تساءلت لماذا لم يتم الركون إلى إعادة تشخيص الجريمة في قضية هتك العرض المتابع فيها سليمان الريسوني! بل إنها اعتبرت ذلك موجبا للبطلان ومسوغا لاستهداف سليمان الريسوني. فهل كانت وهيبة خرشش، ومن ورائها محمد رضا ومحمد زيان، يرغبون في إعادة تمثيل “واقعة تلمس الأعضاء الحساسة من جسم الضحية” ليصدقوا قيام العناصر التأسيسية للجريمة؟ وهل كانوا يرغبون في مشاهدة الضحية مرة أخرى بين يدي سليمان الريسوني ليدركوا حقيقة النازلة؟ أم أنهم كانوا يودون مشاهدة سليمان الريسوني يحاول نزع ملابس الضحية ليتأكدوا من الفعل المادي للجريمة؟
إن قانون المسطرة الجنائية لا يشترط إنجاز محاضر تمثيل الجريمة أو تشخيصها ولا يترتب أي أثر قانوني على عدم وجودها في المسطرة، وإنما يفرض في المقابل على ضابط الشرطة القضائية أن يقوم بجميع الإجراءات والتحريات اللازمة لإظهار الحقيقة. وإعادة تشخيص الجريمة هو إجراء من جملة هذه الإجراءات التي يتم اللجوء إليها عادة في بعض الجرائم، من قبيل قضايا القتل العمد، والتي يكون فيها المشتبه فيه قد أقر بجرمه. إذ لا يمكن منطقيا القيام بإعادة تمثيل الجريمة في قضية يلوذ فيها المشتبه فيه بالصمت أو بالإنكار، مثل حالة سليمان الريسوني.
أكثر من ذلك، فالذي يستمع لوهيبة خرشش وهي تردد كلام محمد رضا ومحمد زيان يصاب بحالة من الذهول من فرط الهذيان الذي تتكلم به الشرطية المعزولة. فهذه الأخيرة لا تميز بين قواعد الاختصاص الترابي للمحاكم ولا بين قواعد الاختصاص النوعي لضباط الشرطة القضائية. فالشرطية اليوتيوبرز تجهل أن المادة 44 من قانون المسطرة الجنائية تمنح الاختصاص الترابي لوكيل الملك في مكان ارتكاب الجريمة أو مكان إقامة أحد المشتبه فيهم أو مكان إلقاء القبض على أحد المشتبه فيهم. وفي الحالات الثلاثة، فإن المختص في قضية سليمان الريسوني هو ممثل النيابة العامة بمحكمة الاستئناف بالدار البيضاء بالنظر إلى طابع الجناية التي تتسم به الأفعال الإجرامية المرتكبة.
فلماذا إذن تستغرب وهيبة خرشش من اضطلاع المصلحة الولائية للشرطة القضائية بالدار البيضاء بالبحث في هذه القضية؟ والوكيل العام للملك بنفس المدينة بمهمة تحريك الدعوى العمومية فيها؟ مع أن مكان ارتكاب الجريمة ومكان إقامة المشتبه فيه ومكان توقيفه هو مدينة الدار البيضاء. ولماذا لا تريد الشرطية المعزولة أن تعترف بأن التدوينة والتغريدة والاتصال الهاتفي والرسالة إنما تندرج جميعها في إطار الوشايات التي تتحدث عنها صراحة المادة 21 من قانون المسطرة الجنائية، والتي تلزم ضباط الشرطة القضائية بمباشرة الأبحاث التمهيدية فيها؟ ألا تعتبر تدوينة الضحية عادل (أ) بمثابة وشاية وتبليغ عن جريمة مفترضة يتعين البحث فيها؟ وهل حجب الهوية في الفايسبوك أو استعمال هوية مستعارة تمنع صاحب الاختيارات المثلية من الحق في تسجيل شكايته؟ أم ينبغي السكوت عنها وإدراجها في خانة إجرام الظل ؟
وفي الشق المتعلق بالاختصاص النوعي لضباط الشرطة القضائية، زعمت وهيبة خرشش بأن عميد الشرطة الممتاز رئيس الفرقة المالية والاقتصادية لا يحق له البحث في قضية هتك عرض بالعنف المتورط فيها سليمان الريسوني، ناسية أو متناسية بأن قانون المسطرة الجنائية إنما يتحدث عن ولاية عامة لضباط الشرطة القضائية، بدون تمييز بينهم في المهام والوظائف، ولا يميز بينهم إلا في الاختصاص الترابي. فمسألة التقسيم الداخلي لمصالح الشرطة القضائية لا ترتب أي جزاء أو إخلال في القانون، وإنما هي مسألة تنظيمية مرتبطة بسير العمل في فرق الشرطة القضائية. فرئيس الفرقة الجنائية يمكنه أن يباشر البحث في جرائم المخدرات والعكس صحيح دون أن يشكل ذلك عيبا مسطريا أو خللا في الشكل.
زلاّت وهيبة.. وانطباعات الآخرين
كثيرة هي ومتعددة أخطاء وزلات وهيبة خرشش، والتي لا يمكن حصرها في مقال واحد أو اثنين. وهذه المسألة لا تثير أي استغراب أو ارتياب لدى القارئ، على اعتبار أن خلفيات الشرطية المعزولة وظروف هروبها من المغرب يجعلانها لا تتوانى في ترديد استيهامات وأخطاء محمد زيان ومحمد رضا. لكن الشيء المثير للاستغراب حقا هو أن تجد صحافيا مغربيا لديه القابلية لتصديق وهيبة خرشش رغم كل الأخطاء التي اقترفتها في المسطرة والقانون.
فالصحافي الذي قال أنه “حزين على واقع وطنه وهو يستمع لوهيبة خرشش”. ألم يتساءل كيف لضابطة شرطة معزولة لم تشتغل سوى سنوات معدودة في خلية للتكفل بالنساء في مفوضية للشرطة بأزمور والجديدة، يمكنها أن تمارس الرقابة القضائية على أعمال النيابة العامة وضباط الشرطة القضائية؟ وكيف لسيدة لا تميز بين المحاضر والتقارير أن تكون مصدر إلهام في الحزن على القانون؟ وكيف لشرطية معزولة تلاحقها الشبهات الأخلاقية والوظيفية أن يعتد بكلامها الحابل بالأخطاء والمفعم بالزلات؟ فقبل أن يعم الحزن، كان من المفروض تشريح كلام الشرطية المعزولة والبحث في تقعيده القانوني.
أما علي لمرابط، فقد انبرى يطبل ويهلل لكلام وهيبة خرشش وهو لا يعلم أنها كانت “غير كا تشتف” كما يقول المغاربة. فانطباعية الرجل وقابليته لتصديق كل ما يعارض ما هو رسمي جعلاه يتلقّف كل ما قالت وكأنه كتاب منزل. فهل يصدق علي لمرابط بأن جريمة سليمان الريسوني كانت تحتاج إلى (معاينة شرجية) لإثبات الجريمة كما قالت وهيبة خرشش؟ وهل يصدق علي لمرابط بأن وضعية مؤخرة الضحية وكيفية جلوسه على الأريكة كانت معطيات حاسمة في قيام العناصر التأسيسية للجريمة كما زعمت الشرطية المعزولة المحتفى بها؟ فإذا كان علي لمرابط يستوحي ثقافته الأمنية والقانونية من وهيبة خرشش، فيستحسن بأصحاب الاختيارات الجنسية أن يبحثوا عن ملاذ آمن بعيدا عن شرائع”وهيبة خرشش والمحمدين زيان ورضا).

من نقيب المحامين إلى زميل بتطوان
✍️بقلم: الأستاذ النقيب محمد زيان
زميلي المحترم،
استغربت كثيرا لما صدر عنك من كلام يتنافى وأخلاقيات المهنة وجهته لنقيب يؤكد من خلالك لجسم المحاماة برمته أنه لم يسبق له أن مَسَّكَ بِضرٍ أو فكر في تصرف من شأنه أن يؤذيك أو يمس بشخصك أو شرفك أو شرف عائلتك، أو بعضو من أعضاء مهنتنا الشريفة.
وكما يعلم جميع الزملاء فإن هذا الأمر يستثني ما قد يصدر عن أي محام من كلام داخل قاعات المحاكم للقيام بواجبنا المهني بكل حرية واستقلالية.
فَأَنْ تسمح لنفسك وأنت محامٍ بالمغرب بالتفكير بالمساس بشرف أو كرامة أي زميل، فهذا يعتبر مخالفة مهنية لا تقبلها أعرافنا ولا تقاليدنا التي تربيت عليها ووعيت بها وربيت عليها أجيالا طيلة مساري المهني الممتد بنصف قرن.
لم أسمح لنفسي يوما بفضح أي بشر واجهني في المهنة أو في الحياة ما عدا إذا تجرأ علي بالكذب، عدا ذلك فإني أرَخِصُ لك بنشر ما تملكه ضدي من حقائق.
أما وقد استعملت ضدي الكذب فقد أصبح من واجبي أن أجهر بحقيقتك التي لم يَعِهَا الكثيرون. في سنة 2011 تقدمت بعدة مقالات في مواجهة الحكومة المغربية في القضية المعروفة آنذاك بقضية المعطلين حاملي الشهادات المقصيين من محضر 20 يوليوز المحضر الاتفاقي الموقع بين هؤلاء وحكومة عباس الفاسي، التي التزمت بتوظيف كافة موقعي المحضر. وبالفعل تم توظيف نصفهم قبل إعلان نتيجة الانتخابات التي حملت حزب العدالة والتنمية إلى رئاسة الحكومة، فيما تم إقصاء النصف الآخر بمجرد انتهاء الحملة الانتخابية.
قمت آنذاك برفع دعوى قضائية بالمحكمة الإدارية بالرباط ترمي إلى تنفيذ القرار الإداري القاضي بتوظيفهم، إذ اعتبرت محضر 20 يوليوز التزاما على عاتق الحكومة وجب تنفيذه ومبدأ المساواة لا يسمح بإقصاء أحد.
وقتها عين رئيس المحكمة، محمد الهيني قاضيا مقررا في هذه الملفات.
أثناء سريان المساطر القضائية توفي عبد السلام ياسين رحمه الله رحمة واسعة وأسكنه فسيح جناته، وبينما كنت في جنازته بجانب الأستاذ مصطفى الرميد الذي كان قد عين وزيرا للعدل وجد مجموعة من المعطلين حاملي الشهادات الفرصة سانحة ليسألوني عما إذا كانت الحكومة ستنفذ قرارات المحكمة، فأجاب وزير العدل مكاني بأنه سيكون حريصا على تطبيق الأحكام.
وبحسب ما في علمي، فإن رئيس الحكومة عبد الإله بنكيران هو الآخر سوف لن يتردد كذلك في التطبيق القويم للقانون.
وقتها فرحنا جميعا واستبشرنا خيرا وجاءت أحكام المحكمة الإدارية بردا وسلاما على قلوب المعطلين حاملي الشهادات موقعي المحضر.
اقتنعنا جميعنا بالملف بوجود قضاة قادرين فعلا على التطبيق السليم للقانون. وعرف الشارع المغربي حينئذ بوجود قاضٍ اسمه محمد الهيني، وقد اعتبرناه رمزا لهؤلاء القضاة ورجلا صادقا نزيها يجعل القانون فوق كل اعتبار وفوق الجميع.
لم نشك ولو رقيقة من دقيقة في أن الأمر يتعلق بلعبة من ألاعيب البوليس السياسي، ولم يكن أحد منا يشك في مصداقية محمد الهيني، فوقع ما وقع..
ومع مرور الأيام بدأت تبرز الحقيقة وانفضح الأمر، ذلك أن الهيني لم يكن في هذه النوازل سوى عبدا مأمورا ينفذ التعليمات بقصد توريط حزب العدالة والتنمية وتلطيخ صورة حكومة الإسلاميين كما كانوا يطلقون عليها، والقول بأنها ترفض تطبيق قرارات تخدم أبناء الشعب لتحتفظ في المقابل بهذه المناصب لفائدة مناضلي الحزب.
مع الوقت تبين أن الهيني عميل ليس إلا، وقد تم تمكينه بعدما أصبح محاميا بتطوان من ملفات سياسية مخدومة، وأصبح بوقا لإدارة التراب الوطني مسؤولا عن تبرير تصرفاتها أمام الرأي العام.
زميلنا المحترم الهيني،
هذه هي حقيقتك المُرة التي لا تشرف ولا ترفع الرأس.
المحاماة تكليف قبل أن تكون تشريفا؛ تكليف ثقيل قلة قليلة من يستطع حمله، والتزام أمام الله بالدفاع والذَّوْدِ عن حقوق المستضعفين ومواجهة الظالم القوي لحماية الفئات الهشة التي تعجز في أغلب الأحيان عن التصدي للطغيان.
وبصفة موضوعية، فإن مهامك المهنية محددة في الفصل 30 من قانون المهنة الذي يؤمنا جميعا كزملاء، وهو الفصل الذي يحدد هذه المهام في ثمانية نقاط أساسية ترتبط بالترافع أمام المحاكم والقيام بالإجراءات لدى كتابة الضبط، والتمثيل أمام الإدارات العمومية والمؤازرة في المجالس التأديبية وإعداد الدراسات وإعطاء الاستشارات والإرشادات، وتحرير العقود وتصفية التنفيذات القضائية.
وليس من مهام المحامي أبدا أن يصبح بوقا في يد أحد لتبرير مواقف معينة بغاية الحصول على أتعاب أو منفعة أو رتبة تجرده من صفات الإنسانية النبيلة وتجعل منه شخصا يحارب هاته القيم نهارا جهارا.

اعتذار.. لمؤسسة النقيب

ذ محمد الهيني

عندما غادرت مُكرهاً كرسي القضاء، بسبب تواطؤ السياسي والقانوني، أحسست بأنني فقدت مناط وجودي، كإنسان مجبول على الدفاع عن مواقفه واختياراته أيا كان الخصم وأيًا كان الحكم.

ولما احتضنتني مهنة النبلاء، وقديما قيل المحاماة هي موطن النبلاء، أحسست بأنني استعدت عِلّة وجودي، مع هامش أوسع من الحرية في التعبير، وفضاء أرحب للانتصار للمواقف التي اعتبرها تنسجم مع قناعاتي ومبادئي.

وكان لي ما كان، شرف ارتداء بذلة الدفاع، وفخر زمالة النبلاء، وحبور مجالسة النقباء الذين لم ينفكوا ولم يستنكفوا عن تقديم الدعم اللازم لكل حامل لهذه الرسالة من زميلاتنا وزملائنا، وإشباعنا من منهل الأخلاقيات ومعين الأعراف المهنية النبيلة.

وكثيرا ما سمعت، وأنا في القضاء وفي المحاماة، بأن الدفاع لا يّقتنى بثمن، ولا يعوّض بأجر، ولا يُشترى براتب، فالدفاع أسمى من أن يكون سلعة وأقدس من أن يكون بضاعة. لذلك توافق النقباء وأشراف المهنة على تسمية عائدات المحامي بالأتعاب وليس شيئا آخر.

لكن إحباطي كان عارما وأنا أرى من يسيء لشرف المهنة وحظوة المؤسسة. فلم يكن سهلا علي أن أشاهد من هو محسوب عليها سابقا يظهر في فيديو مع موكلته والناس تقذفه بوصم أنه “يتلقى أتعابه بشكل عيني من جسد الموكلات” في تقويض وهدم لكل الشيم والمناقب المهنية النبيلة.

ولم يكن من الممكن أن لا يتفاعل كل ذي مروءة مع مثل هذه السلوكيات المسيئة للمؤسسة من كان يحمل صفتها سابقا . فمن المخجل أن ترى جسدا منسوبا للمهنة يتقاسمه رواد الشبكات التواصلية عاريا! ومن المؤسف أن يتشارك مستعملو تطبيق الواتساب تسجيلات لكلام بذيء منسوب لحامل لصفة المؤسسة سابق ووزير أسبق.

والأكثر أسفا أن هذا الذي يذكرنا بولاية المحامي، المحددة في المادة 30 من قانون مهنة النبلاء، هو نفسه أول من يقحم السياسة في القانون، ويمزج قضاياه العائلية مع رسالة المحاماة، بل هو من يحاول قطع شعرة معاوية بين القضاء وجناحه الوارف الظلال المتمثل في الدفاع.

ومن ينعتنا اليوم بخدمة الدولة أو مؤسسة أمنية، ربما نسي أنه كان ابن الدار وسليل الدولة ومدافعها، قبل أن يرتد ويصبأ بالمخزن بعدما نضب الصبيب. وهل الانسجام والتوافق مع قضايا البلد المصيرية، والانتصار لمصالحه العليا في محطات المحن الدبلوماسية، هو خيانة وتهمة تزدري صاحبها؟ رغم انني اعتبر ذلك شرف لا ادعيه .

لقد آن لي أن اعتذر لمؤسسة النقيب نيابة عمن يمتهنها (من المهانة وليس المهنة)، ومن جعلها تُذكر أحيانًا وهي مقرونة بكلام فاحش وموغل في الشعبوية مثل “الخاصرة التي تزن طنا ونصف” و”الزنطيط العابر للحدود الوطنية” و” نشفيني أوهيبة”. وعزائي هنا أن الأمر هو مجرد استثناء شاذ، ولحسن الحظ أن الاستثناء لا يقبل التوسع ولا القياس.

فليس هناك ما يحز في نفسي أكثر من أن أرى “قداسة المهنة” و”هيبة المؤسسة ” تدوسها الأقلام والألسن بسبب تصرفاته المنسوبة له ومنها تهمة تهريب الشاهدات وإخفاء المطالبات بالحق المدني وتهجير الموكلات والمنقولات بطريقة غير شرعية خارج أرض الوطن و أكثر ما يستفزني هو أن يصير صاحبنا من ذوي السوابق التأديبية، وأن تصبح أفعاله وأقواله تحت مجهر النيابة العامة وغرفة المشورة، والحال أن حامل مشعل الرسالة ماضيا وحاضرا ومستقبلا ينبغي أن يكون هو المدرسة والملهم والأب كما ألفنا ذلك قبل أن ينبلج هذا الاستثناء.

في الحقيقة، كنت دائما أتشرف بنيل حظي من النصيحة من الزملاء والسادة النقباء، فالإنسان مهما اجتهد لا يدرك الكمال، لكن ها أنذا اليوم أتلقى اللوم والعتاب ممن انتفض ضده بالأمس معتقلو الحسيمة ورفضوا مؤازرته، ومن تم توقيفه مؤقتا بمقرر قضائي. وهذا لا يضرني في شيء بقدر ما يؤكد لي بأنني أسير في عكس مساره. وبالضرورة فإنني في المسلك الصحيح، لأنني ببساطة لا أنفرد بموكلة ولا أهرب شاهدة ولا اي محظور ولا أتلفظ بساقط الكلام وفحشه،لدرجة اننا قد نفاجئ يوما لا قدر الله ولا نتمنى ذلك لغيرتنا الشديدة على المهنة بمشروع او مقترح قانون بسببه يسقط الصفة عمن اساء للمؤسسة لعدم جدارته بالاستمرار في حمل نبلها ورسالتها، لانه لم يسبق لأي نقابة بالمغرب وطول تاريخه ان وقعت بيان إدانة غير ادانته وذا كان لا بد من هذا الجواب، تعقيبا على رسالته واتهاماته الموغلة في التخوين، فلا يسعني في هذا المقام إلا أن أعتذر لمؤسسة النقيب ولكل الأشراف الذين تعاقبوا عليها، مبتهلا إلى العلي القدير، ببركات قداسة مهنة النبلاء، أن يحسن الله خاتمتنا، وأن لا نكون محط سخرية الناس في آخر عمرنا بسبب أعراض السن وتكاليف الدهر،ورحم الله من عرف قدره وشرف مهنته .

قد يعجبك ايضا
Loading...