
الأخبار المغربية
المغرب أولا – في خضم النقاش الذي أثاره الشريط الوثائقي الذي بثته قناة “فرانس 5” حول طبيعة العلاقات المغربية الفرنسية، يتبين أن هذا العمل لم يقدم معطيات جديدة بقدر ما أعاد طرح روايات ومزاعم سبق تداولها في فترات سابقة، غير أن أهمية هذا الوثائقي لا ترتبط بمضمونه بقدر ما تكمن في توقيت بثه، الذي يثير تساؤلات حول خلفياته الحقيقية والرسائل غير المعلنة التي يسعى إلى تمريرها.
فعلى المستوى الظاهري، حاول الوثائقي تقديم قراءة شاملة لمسار العلاقات بين المغرب و فرنسا، منذ مرحلة الحماية وصولا إلى الوضع الراهن، مع التركيز على ما اعتبره لحظات توتر واختلاف، لكن هذا الطرح، في عمقه، جاء محكوما بانتقائية واضحة، حيث تم التركيز على ملفات خلافية قديمة وإعادة تقديمها بشكل يوحي باستمرارها، رغم أن العديد منها تم تجاوزه في إطار المصالحة السياسية والتعاون المشترك بين البلدين.
و يزداد هذا الطرح إثارة للتساؤل عند ربطه بالسياق الحالي، الذي يتميز بتقارب ملحوظ بين الرباط وباريس، و استعداد الجانبين للارتقاء بعلاقاتهما إلى مستوى شراكة متقدمة، كما أن الحديث عن زيارة مرتقبة للملك محمد السادس إلى فرنسا يعكس بوضوح وجود إرادة سياسية قوية لتعزيز هذه العلاقة و تطويرها في مختلف المجالات.
وفي هذا الإطار، يبدو أن إعادة طرح قضايا مثل مزاعم “بيغاسوس” أو بعض الملفات ذات الطابع الجنائي، وإخراجها من سياقها الأصلي، لا يخدم فهم حقيقة العلاقات الثنائية بقدر ما يسعى إلى خلق انطباع مضلل، خاصة وأن هذه القضايا سبق أن تم تفنيدها أو التعامل معها في إطار قانوني و مؤسساتي، سواء على المستوى الوطني أو الدولي، ويبقى تجاهل المكتسبات التي تحققت في مسار التعاون بين البلدين، وعلى رأسها التعاون الأمني، يعكس خللا في التناول الإعلامي، لأن العلاقات المغربية الفرنسية لم تقتصر على الجوانب التاريخية أو السياسية، بل تطورت لتشمل مجالات حيوية، حيث ساهم التنسيق المشترك في مواجهة تحديات كبرى، وهو ما يعكس عمق الشراكة القائمة بين الطرفين.
ومن جهة أخرى، فإن استمرار بعض الأصوات الإعلامية في تبني خطاب متحامل تجاه المغرب، يكشف عن وجود توجهات داخلية تحاول التأثير على مسار العلاقات الثنائية، سواء بدافع حسابات سياسية أو اعتبارات جيوسياسية، غير أن هذه المحاولات تبقى محدودة التأثير أمام واقع العلاقات الذي تحكمه المصالح المشتركة والرغبة المتبادلة في الاستقرار والتعاون.
ورغم كل ما يثار من حين لآخر من حملات إعلامية أو محاولات للضغط، فإن العلاقات بين المغرب وفرنسا تظل ثابتة ومتوازنة، قادرة على تجاوز مثل هذه السحب العابرة، يعكس ذلك استمرار الثقة المتبادلة، سواء من خلال الحركية الاقتصادية أو الإقبال الكبير للفرنسيين على اختيار المغرب كوجهة للإقامة و الاستثمار.
إن ما يروج إعلاميا لا يعكس بالضرورة حقيقة العلاقات بين البلدين، بقدر ما يعبر عن وجهات نظر جزئية أو مواقف ظرفية، أما الواقع، فيؤكد أن الشراكة المغربية الفرنسية قائمة على أسس راسخة، وأنها مستمرة في التطور، مدفوعة بإرادة سياسية واضحة ورؤية استراتيجية تتجاوز منطق الخلافات العابرة نحو آفاق أوسع من التعاون والتكامل.
عاش الملك و لا عاش من خانه